نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
التخطيط العمراني بين الاستدامة وموضة الهبة!! - بلد نيوز, اليوم السبت 5 أبريل 2025 08:43 مساءً
صديقي أهداني قطعة حلوى قائلا هذه حلاوة «الهبة» الجميع يتحدث عنها ولا بد أن تجربها؛ فتذوقتها لأجدها عبارة عن سكر ممزوج بسكر! فقلت له ما الأمر الذي دعاك لتجربة هذا المنتج الرديء؟ هل هو التقليد الأعمى أم مجرد فضول؟ لماذا تسير مع التيار، لتجرب كل جديد أو ما يعرف بموضة «الهبة»؟ صديقي علينا التفكير أولا قبل أن ننساق وراء آراء مشاهير التواصل الاجتماعي أو المؤثرين، ففي هذا العصر إجماع الناس على شيء ما لا يعني تميزه.
في الواقع، إن الرأي الجمعي الوهمي يُصنع بشكل تراكمي ليتراءى للجميع محققا النجاح في البداية، يتلألأ كنجم ساطع ثم لا يلبث أن يتراجع ليتهاوى في السحيق. الفئات التي تراها تتدافع في طوابير طويلة عند افتتاح مطعم ما، أو سوق تجاري، أو مقهى سوف تختفي ليجني هذا المشروع لاحقا الخسائر تلوى الخسائر؛ لأنه لم يضع أسسا حقيقية تضمن استدامة جودة المنتج المقدم للعملاء.
وبالمنطق ذاته، فالتخطيط ليس عملا عبثيا مبنيا على اجتهادات فردية دون استحضار الوسائل كافة التي تضمن استدامة المنتج العمراني بما في ذلك استيعاب الموارد المتاحة، ومشاركة المجتمع وأصحاب المصلحة. هذا التخطيط يجب أن يكون قادرا على استيعاب احتياجات المجتمع، دون المساس بحقوق الأجيال القادمة. لقد أصبحت المدن المستدامة هدفا استراتيجيا لدى صانعي السياسات العمرانية لأنها تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة والعدالة الاجتماعية وبشكل ينعكس إيجابا على جودة الحياة.
إن الوصول إلى منتج عمراني مستدام يخضع لمسار إجرائي وسلسلة معقدة من المراحل التي تعتمد على تراتبية إدارية يشارك بها أصحاب المصلحة وضمن إطار حوكمة مرتبط بمؤشرات أداء يضمن جودة المنتج العمراني. تشارك مجموعات أصحاب المصلحة في عملية التخطيط وصولا لتطوير سياسات عمرانية تحقق الأهداف الاستراتيجية العليا.
ويقع على عاتق جهات التخطيط التوفيق بين المصالح المتضاربة وصولا إلى خطة مستدامة تحقق مبدأ «المصلحة العامة» ولا تؤثر سلبا على حقوق الفئات المستضعفة. إن استدامة المنتج العمراني مرهونة بالمدخلات المستنيرة من المجتمع، والتي تقتضي تعزيز المشاركة المجتمعية وصولا إلى الشراكة في صناعة القرار التنموي. ويعد تطوير المنتج العمراني بمثابة مرحلة؛ ولكنها ليست الأخيرة في سلسلة تشمل الرقابة، والمتابعة، والتقويم، وإعادة التطوير.
اليوم، نجاح المشاريع العمرانية يقاس بمدى توافقها مع أبعاد الاستدامة بما في ذلك الجوانب الاجتماعية، والبيئية، والاقتصادية. وهكذا فتهافت الزوار نحو مشروع عمراني ما يمكن أن يعطينا مؤشرا إيجابيا نسبيا. ومع ذلك، يمكن أن تكون هذه المؤشرات مجرد «موضة هبة» لا تلبث أن تختفي؛ في حال لم تقترن هذه المشاريع بآليات تقويم مستمر، ومشاركة فاعلة، واستقراء لآراء الزوار لضمان استدامتها.
التخطيط ليس مجرد خرائط وتقارير ملونة؛ بل عملية مستمرة لا تنتهي بتطوير المنتج العمراني أو تنفيذه، كما أنها ليست عملية استنساخ لمشاريع متميزة أو منتجات مادية دون استيعاب كامل مكونات السياق الحضري بما في ذلك الإطار التشريعي، والقيمة الثقافية، والعوائد الاجتماعية والاقتصادية. تحتاج الخطة دائما إلى متابعة وتقويم مستمر لضمان امتثالها لمعايير الاستدامة، ويقتضي ذلك تحليل مدى توافقها مع احتياجات المجتمع والمتغيرات المستقبلية.
وختاما، أوكد على أهمية وضع خطة استشرافية لمستقبل المدن السعودية، لا سيما مع تتابع المشاريع التنموية الكبرى بشكل يضمن تحقيق أعلى مستويات الاستفادة من هذه المشاريع على المجتمع الحالي والأجيال القادمة.
0 تعليق